علي بن أحمد المهائمي
356
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أراد العلم الحاصل عن النظر ، فإن اليقين فيه قليل ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . ثم أشار إلى أن تبدل الصور لا يختص بالرب والنفس وسائر المجردات ؛ بل يعم الأجسام والأعراض ، فقال : ( وما أحسن ما قال اللّه تعالى في حق ) جميع ( العالم ) الذي يرى أجسامه ، وبعض أعراضها مستقرة ، والكل في تبدله مع ( تبدله مع الأنفاس ) أي : الآيات فتكون كل صورة من صوره ( لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) * مع كونه ( في عين واحدة ) ، كما يقال : زيد شابا هو زيد طفلا وشيخا ، ولونه اليوم هو لونه أمس وغدا ، ( فقال : في حق طائفة ) بالقصد الأول وهم منكرو البعث ؛ من أجل أن الأمر الجديد كيف يكون عين ما فني ( بل أكثر العالم ) بطريق الإشارة ؛ لقولهم : تبقى الأجسام وبعض الأعراض ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] ، فلا يعرفون تجديد الأمر ) أي : فيض الوجود عليها ( مع الأنفاس ) إذ الأصل في الممكنات العدم ، فلو انقطع عنها الفيض لحظة ؛ عادت إلى أصلها ؛ لكن التبس عليهم الأمر لعدم تخلل زمان العدم بين الفيضين فلم يغيروا عليه . ( لكن قد عثرت عليه الأشاعرة ) أصحاب أبي الحسن الأشعري أول من قرر دلائل السنة بعد غلبة البدعة ( في بعض الموجودات ، وهي الأعراض ) ، فمنعوا بقائها زمانين ، وجعلوا بقاء ما يتوهم بقاؤه بتجدد الأمثال ، ( وعثرت عليه الحسبانية ) أي : السفسطائية ( في العالم كله ) ، حيث جعلوا لكل صورا خيالية ، فكأنها عندهم أعراض قائمة بالخيال ، فلو قالوا : بتبدل الأعراض لزمهم القول بتبدل الكل ، ( وجهّلهم أصحاب النظر بأجمعهم ) لإنكارهم ما يجزم القول العقل بثبوته من الضروريات والمحسوسات ، ولا يتشكك فيها بالتشكيكات . ( ولكن أخطأ الفريقان : أما خطأ الحسبانية ) قدمهم في الخطأ وآخرهم في الإصابة ، ( فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتبدل ) أي : مع ما لزمهم من القول بتبدل الصور ( في العالم بأسره على أحدية عين الجوهر الذي قبل هذه الصور ) المعقولة أي : المتخيلة ، وجعلهم إياها قائمة بالخيال لا يفيدهم ؛ إذ ( لا يوجد ) تلك الصور الخيالية ، وذلك الخيال الذي وهموا قيامهما به ( إلا بها ) أي : بتلك العين الواحدة ؛ لأن الكل ممكن لا وجود له في نفسه ، وإنما هو من إشراق نور الوجود الحق عليه ، ( كما لا تعقل ) العين الواحدة ( إلا به ) أي : بالعالم إذ لا بدّ أولا من الاستدلال بالعالم عليه كما مرّ . ( فلو قالوا ) : أي : الحسبانية ( بذلك ) أي : بكون الكل صورا خيالية قائمة بالعين الواحدة ( فازوا بدرجة التحقيق ) ، إذ هو مذهب الصوفية بعينه ، ولا يلزمهم إنكار ما يجزم العقل بثبوته بالضرورة ؛ لأنهم يقولون بثبوتها ؛ لكن لا بأنفسها بل بالعين الواحدة ، ولا يتأتى ذلك للحسبانية فغرقوا في هوة الضلال بإنكارهم العين الواحدة فصاروا أخس الطوائف وأجهلهم .